Accès rapide :

التجلي أو "الدبلوماسي في المستقبل"

Fabien Fieschi - Boston, États-Unis d’Amérique - 17 décembre 2015

Partager

Partager

Toutes les versions de cet article : [عربي] [English] [Español] [français]

عندما تعيش في بوسطن وتعمل هناك ينتابك شعور أحيانا بأنك شاخص على أنف جبل مرتفع حيث يمكنك مشاهدة صعود الموجة الرقمية وهي تجرف معها بعض أجزاء عالمنا إلى قمم جديدة، بينما تُغرق أجزاء أخرى في أعماق التاريخ.
في واقع الأمر، إن منطقة بوسطن هي من بين الأماكن التي تسير فيها الثورة الرقمية على قدم وساق. فالبحوث بشأن العلاجات الجديدة، التي تجري على ضفاف نهر تشارلز، في المنطقة الواقعة بين جامعة هارفارد ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، تتبع نهج علم الجينوم الحاسوبي في يومنا هذا، الذي أصبح قائما بفضل التنامي الحثيث والثابت لقوة الحواسيب. كما أدّى تراكم البيانات الضخمة هنا، بصورة حثيثة وثابتة أيضا، ليس إلى تطوير تطبيقات الهواتف الذكية فحسب، بل أيضا إلى استحداث تخصص جديد يطلق عليه اسم "الفيزياء الاجتماعية" (إذ يسعى هذا التخصص إلى وصف التفاعلات البشرية بموثوقية إحصائية تعادل الموثوقية في علم الفيزياء). وأخيرا، أصبح مصطلح "المتعدد الجنسيات"، الذي كان يستخدم حصرا في ما مضى لوصف المجموعات الاقتصادية الكبيرة، بفعل التقانات التي تتيح التحرك والوجود في كل مكان، قابلا للتطبيق على المنشآت الناشئة التي تضم أقل من عشرة موظفين : مؤسِسان في باريس وبوسطن، وموظف في الأرجنتين، وموظف آخر في زمبابوي، ومطورون في مولدوفا وفي عمق سيبيريا (ملحوظة : هذه الحالة موجودة فعلا).

كما يجري في بوسطن تحليل هذه الثورة، إذ تساعد قراءة كتاب الأستاذين إريك برينجولفسون وأندرو ماكافي من معهد ماساتشوستس للتكنولوجا، المعنون "عصر الآلة الثاني" (The Second Machine Age) - الذي ينصح بقراءته بشدة - في تحسين فهم كيف تقوم الموجة الرقمية، التي تلت ثورتي الآلة البخارية والكهرباء، بتحويل اقتصاداتنا وأنماط عملنا، ولا سيما كيف أصبحت بعض المهامّ قابلة للأتمتة فعلا في يومنا هذا، في حين كنا نعتقد قبل بضع سنوات فحسب أنه من المستحيل تنفيذ هذه المهامّ بواسطة الحواسيب والروبوتات.
ما علاقة ذلك بمهنة الدبلوماسي؟ تجلى لي الإلهام قبل عام عندما كنت أنظّم لقاء "مقهى أصحاب المشاريع" في مقرّ إقامة السفير، وهو لقاء يضم جميع الفرنسيين في المنطقة المعنيين بإحداث المنشآت. كان ضيف الشرف لهذا اللقاء مؤسّس شركة إسيئوب (Yseop) السيد جان روشير، وهي شركة تسوّق "أول محرك ذكاء اصطناعي يكتب ويتراسل مثل البشر". وكانت تتمثل إحدى تطبيقات المحرك في صياغة "مذكرة توليفية" بصورة آلية عبر الحاسوب لأي نص مأخوذ من قاعدة بيانات أو من الإنترنت عن موضوع يجري اختياره عشوائيا. ولا تستغرق هذه العملية سوى بضع نقرات وثوان ليقدّم الحاسوب نصّه الذي يتكون من صفحة أو صفحتين، مكتوب بلغة فرنسية جيدة ويتضمن بعض الأشكال والرسوم البيانية. وبنقرة وثانية إضافيتين يمكن "بالطبع" الحصول على نفس النتيجة بلغة أخرى...
يصعب علي، عندما أرى هذه "الحيلة السحرية"، أن أمتنع عن التفكير في الساعات التي قضيتها في خلال مسيرتي المهنية وأنا أجمع المعلومات وأصيغ المذكرات التوليفية الشاقّة ! لذا يجب على الدبلوماسيين، على غرار سواهم من المهنيين، أن يحاولوا التنبؤ بتأثير الموجة الرقمية المرتقب في مهنتهم. وما هذه المدونة، وازدياد عدد السفراء المغرّدين أو استبدال "البرقيات" بمنصة "الدبلوماسية" التشاركية، إلا دلائل على إدراك الأهمية التي تكتسيها الاتصالات في عملنا.
ولكن هل سيقوم الكتّاب غدا بإعداد الملفات للزيارات الوزارية أم ستُعدّ بطريقة آلية بناء على قواعد البيانات الخاصة بالوزارة؟ وهل سيتمكن حاسوبي من التعرف فورا على التعديلات التي تبدو عديمة الأهمية ولكنها مبطّنة فعلا، والتي أجراها زميلي من بلاد الواق واق في نص يجري التفاوض بشأنه؟ وهل سيوافق أهل الواق واق وجيرانهم بسهولة أكبر على وساطة الخوارزمية السامية للأمين العام للأمم المتحدة لحل الخلافات القائمة بينهم، عوضا عن وساطة ممثله السامي المعروف بقابليته الأكبر للتأثر؟ وعلى نحو أكثر جدية، ماذا سيكون دور سفاراتنا غدا عندما ستتيح التقانات من جهة قدرا متزايدا من التحرك والوجود في كل مكان، ومن جهة أخرى ستتعرض هذه الأماكن الرمزية إلى خطر "التخندق" بفعل القيود الأمنية المتنامية.
ليس لدي إجابات على هذه الأسئلة ولكن "بالنظر إلى الأمور من بوسطن" وكما يدعونا الأستاذان من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، من الأجدر بنا أن "نتقدم بالتواكب مع الآلات" وأن نستعمل قدراتها ونوكل إليها بعض المهامّ التي تجيدها. وبهذه الطريقة سنتمكن من تحرير بعض الموارد و"الوقت المتوفر للعقل البشري" للقيام بما لا تتفوق الآلات علينا به، ولا سيّما الاتصال الإنساني، والتعاطف مع الغير، والفهم الدقيق لطرق التفكير والمشاعر وثقافة الآخر. أليس هذا هو جوهر مهنة الدبلوماسي في نهاية المطاف؟

Partager

Partager

918 vues


Mot-clé :

Publier un commentaire

modération a priori

Ce forum est modéré a priori : votre contribution n’apparaîtra qu’après avoir été validée par un administrateur du site.

Qui êtes-vous ?
Votre message


MENTIONS LÉGALES & INFOS PRATIQUES

Tous droits réservés - Ministère des Affaires étrangères et du Développement international - 2017